الدبور – منذ صعود السلطان “قابوس بن سعيد آل سعيد” إلى السلطة عام 1970، اكتسبت سياسة الخارجية تميزا، وعلى الرغم من كونها عضوا مؤسسا في مجلس التعاون الخليجي، الذي يكون في الغالب معاديا لإيران، لكن سياسات الدولية كانت تتبع مذهب “الحياد”، ولم تخرج عن نهجها المحايد تجاه الشؤون والتطورات العالمية.

وتقع السلطنة في موقع استراتيجي على طول الزاوية الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، بالقرب من مضيق “هرمز”، الذي يمر عبره آلاف الأطنان من النفط إلى الأسواق العالمية يوميا.

وتقع السلطنة في موقع ذي أهمية قصوى للملاحة والاقتصاد العالمي، وتحدد هذه الجغرافيا بشكل كبير الموقف العماني الجيوسياسي الحساس، وتجبرها على تبني سياسة خارجية مستقلة نسبيا لا تتبع المخططات التي وضعتها المملكة العربية السعودية أو العربية المتحدة.

وتعد أولوية عمان هي الحفاظ على علاقات ودية مع جميع جيرانها، ومع جميع اللاعبين الرئيسيين في السياسة العالمية، وكانت السلطنة أول دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي يحل جميع نزاعاتها الحدودية مع الجيران، ومنذ عام 1970، لم تقم عمان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أي حكومة في العالم.

وقد مكن مثل هذا النهج مسقط من القدرة على لعب دورها كوسيط لتسهيل المفاوضات بنشاط في الشرق الأوسط، وقد تطلب الحفاظ على هذا الدور الفريد من عمان أن تنأى بنفسها عن غيرها من دول مجلس التعاون الخليجي في أوقات معينة.

وقد رفضت مسقط التواطؤ مع زميلاتها في شبه الجزيرة العربية في مجموعة من مساعي السياسة الخارجية، مثل حرب التحالف العربي ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ودعم المتمردين السنة الذين يقاتلون النظام السوري، واتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد إيران، وحصار قطر، والتدخل عسكريا في ليبيا، والأزمات الداخلية في البحرين خلال ثورات الربيع العربي عام 2011.

ومن خلال سياستها الخارجية المبنية بعناية، والتي تكون محايدة في الغالب، اكتسبت سلطنة عمان سمعة باعتبارها وسيط سلام جدير بالثقة في الشرق الأوسط، حيث غالبا ما ترحب مجموعة من الأنظمة عبر الطيف الأيديولوجي بوساطتها في النزاعات المختلفة.

وتاريخيا، لعبت سلطنة عمان دورا مهما في تسهيل عملية السلام بين طهران وبغداد وسط الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، بالإضافة إلى ذلك، كانت مساهمة مسقط حاسمة في تحرير اثنين من الأمريكيين تم احتجازهما بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية عام 2010، وتم إطلاق سراحهما في النهاية بفضل التدخل الدبلوماسي العماني.

وبالمثل، تم تحرير العديد من الغربيين الذين احتجزتهم مختلف الفصائل في اليمن من خاطفيهم عن طريق الوساطة العمانية.

ونظرا لعلاقة العمل بين عمان وطهران، عملت مسقط في الماضي كوسيط ميسر للمناقشات بين الولايات المتحدة وعدة دول عربية من جهة وإيران من جهة أخرى، وتكلل هذا الجهد باستضافة السلطنة المحادثات السرية الأولية للتفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة، وهو ما عزز دور عمان كوسيط. وتعتبر السلطنة شريكا موثوقا به داخل الدوائر الأمريكية والإيرانية.

ومع ذلك، ترغب عمان في ضمان عدم تسبب علاقاتها مع طهران في ضرر للمصالح الجيوسياسية لدول الأخرى. وهذا هو السبب في سماح مسقط بفتح قواعد جديدة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة على ساحل عمان الاستراتيجي، كجزء من توسيع العلاقات الدفاعية والأمنية مع القوى الغربية.

وفيما يتعلق بسوريا، حافظ العمانيون على حيادهم المميز طوال الأعوام الـ8 الماضية من الحرب الأهلية بين نظام “بشار الأسد” وخصومه، ولم تكن مفاجأة عندما التقى “يوسف بن علوي”، وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني مؤخرا مع “بشار الأسد” ونظيره السوري “وليد المعلم”، في دمشق.

ومنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، كانت هذه الزيارة هي الثانية لـ”علوي” للدولة التي مزقتها الحرب، ولطالما كان المسؤولون في دمشق ينظرون إلى عُمان كدولة خليجية محبوبة وطرف موثوق به يتبنى “مواقف داعمة لسوريا في مختلف المنتديات العربية والدولية”.

وبالمثل، في الملف الفلسطيني، كانت عُمان في الطليعة بين دول مجلس التعاون الخليجي في الضغط من أجل الانفتاح مع (إسرائيل)، مع اتخاذ خطوات لم تفعلها أي حكومة أخرى في شبه الجزيرة العربية لإظهار الدعم لدولة فلسطينية.

وعلى وجه التحديد، أعلنت مسقط الشهر الماضي تخطيط السلطنة لفتح سفارة عمانية في الضفة الغربية، التي تحتلها (إسرائيل)، وقد أصدرت عمان هذا الإعلان بعد فترة وجيزة من قمة “الازدهار لأجل السلام” في البحرين، التي لم تحضرها عمان، في تأكيد آخر على استقلال مسقط عن سطوة الرياض داخل مجلس التعاون الخليجي.

وفيما يتعلق باليمن، تعتبر عمان من قبل جميع الأطراف “وسيطا دبلوماسيا” يتمتع بالاحترام، حيث التقى العمانيون مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلاد، “مارتن غريفيث”، والمفاوض الحوثي، “محمد عبدالسلام”.

ومنذ بداية الحرب الأهلية، حافظت السلطنة على موقف محايد للغاية، وبعد التشكيك في قدرة تحالف مجلس التعاون الخليجي على هزيمة الحوثيين اليمنيين عسكريا، اتبعت عمان استراتيجية “المشاركة البناءة” عبر دعم جهود السلام الدولية.

وحتى الآن، كان نهج عمان مثمرا نسبيا، حيث نجحت مسقط في التفاوض على إطلاق سراح سجناء من يد الحوثيين، واستضافت محادثات السلام اليمنية.

وتعتبر عمان شريكا موثوقا به لجميع الفصائل، ما يمكنها من لعب دور رئيسي في حل النزاع في اليمن، وفي الواقع، لدى السلطنة مصالح خاصة في حل الأزمة اليمنية، لأنها تخشى من اندلاع أزمة لاجئين، وتخشى كذلك من الصعوبات الاقتصادية التي قد تنتج عن الحرب، والتهديدات من المتطرفين الذين يمكنهم الاستفادة من فراغ السلطة الذي خلقته الحرب الأهلية.

بالإضافة إلى ذلك، أعربت مسقط علنا عن عدم موافقتها على السياسة الخارجية للإمارات، حيث تشك مسقط في نوايا المجلس الانتقالي الجنوبي المرتبط ارتباطا وثيقا بدولة الإمارات، ولا تريد عمان أن تكون محاصرة من قبل “دولة أخرى متحالفة مع الإمارات”، وكدولة إسلامية ذات غالبية “إباضية”، فإنها تقع خارج التنافس على المصالح الطائفية، لذا فقد عبر الحوثيون صراحة عن تفضيلهم لعُمان كوسيط.

وبشكل كبير، عارضت عُمان حرب اليمن في جميع مراحلها، ومنذ بداية عملية “عاصفة الحزم” التي قادها التحالف بقيادة السعودية، في مارس/آذار 2015، رفضت عمان المشاركة، ويتم النظر لدور عُمان في الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في اليمن بشكل إيجابي من جانب الرئيس الحالي المعترف به دوليا، “عبدربه منصور هادي”، الذي يثق بالسلطنة بسبب “سجلها الثابت في التفاوض مع الحوثيين”.

وكما هو متوقع، أثار النهج العماني في السياسة الخارجية غضب السعودية والإمارات بسبب علاقات السلطنة الوثيقة مع قطر وإيران.

وتأمل الدولتان الخليجيتان أن تتمكنا من الضغط على خليفة السلطان “قابوس” المحتمل لإعادة توجيه دبلوماسية عُمان بعيدا عن إيران وأن تكون أقرب إلى مجلس التعاون الخليجي.

وقد دخلت العلاقات بين مسقط و(إسرائيل) دائرة الضوء، خاصة بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” للسلطنة في أكتوبر/تشرين الأول 2018، ومع ذلك، نفت قيادة السلطنة أن يكون تطبيع العلاقات الثنائية مطروحا على الطاولة ما لم يتم إقامة دولة فلسطينية.

وبشكل عام، يبقى أن نرى كيف ستتمكن عمان من الحفاظ على استقلال سياستها الخارجية، ومواصلة العمل كوسيط ميسر للتفاعلات الدبلوماسية في منطقة الخليج، مع الحفاظ على العلاقات مع كل من دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.

في وقت تشهد فيه المنطقة ارتفاعا كبيرا وتصاعدا في حجم التحديات التي تواجه عُمان؛ حيث تصبح مختلف الجهات الفاعلة في المنطقة أقل مرونة، وتزداد برامجها للسياسة الخارجية حدة وعدائية.