أرشيف - غير مصنف

عشوائيون دوت كوم

أسامة عبد الرحيم
دائماً ما كان يثير شفقتي منظر عمال الترحيلة البؤساء وهم يجلسون القرفصاء في إنتظار سيارة أحد أرباب مقاولات البناء، وبينما هم على هذه الحال تلهب حبات العرق المالحة أجفانهم وتكوي حرارة الشمس رقاقات جلودهم ، إذ يلمحون سيارة أحدهم تقترب وسرعان ما تنحشر أجسادهم، وتتمازج هياكلهم العظمية بهيكل السيارة في مشهد ربما يذكرك بأهوال الحشر يوم القيامة.
 
 
 
ذكرني ذلك بمواقع الترحيلة التى تزاحمت على الإنترنت و يكتسي أغلبها ثوب الدفاع عن الإسلام، حيث يكفي أن يعتزم أحدهم – خليجي غالباً- دخول معترك الصحافة الإلكترونية بدراهم معدودة، حتى يبرز له مقاول ترحيلة يفصل له موقعاً على مقاس دراهمه تلك، ولا يكتفي المقاول بذلك بل يعده بأن موقعه هذا سينير درب التائهين على الشبكة العنكبوتية ويمنيه بأنه سيفتح قلوباً غلفا و أذاناً صما و أعين عميا ..!
 
 
 
أوكازيون المواقع العربية:
 
 
 
على غرار لماذا تدفع أكثر ومن الممكن ان تدفع أقل ، يقتنع رب المال – الزبون- حينها يأتي دور مقاول الترحيلة – مصرى غالباً- في النزول إلى سوق الصحفيين الترحيلة سواء كانوا من اهل المهنة ودهستهم الأزمة المالية بحوافرها، أو من الشباب الذين لا حيلة لهم ولا يهتدون سبيلاً بعد ان دفعتهم أرحام الجامعات إلى غياهب البطالة.
 
 
 
وبعد الإتفاق على الماليات والمناصب التى يفوز مقاول الترحيلة فيها بنصيب الأسد، يفبرك المقاول تصوراً كارتونياً هزيلاً لهيكلة الموقع، يتضمن تكثيف البحث عن مبرمج ومصمم بأقل أجر ممكن حفاظاً على دراهم الزبون، ومشخصاً أبواب ومواد الموقع بذات الكيفية التى شخص بها عشرات المواقع العشوائية من قبل.
 
 
 
وليت المعري حياً ليرى نتاج زعمه حين يقول: “وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانـــه..لآتٍ بما لم تستطعه الأوائـــــــــل”، حيث يضخم المقاول للممول تصوره الكارتوني مدعياً أنه آن الأوان للباطل أن يركع وللحق أن يسطع وللغمة أن تنقشع وللشبكة العنكبوتية أن تسبح بحمد ربها.
 
 
 
عند هذا الحد من الترويج والإثارة يخرج الممول سرة من الدنانير ويدفعها في حجر المقاول، مبدياً تفاؤله المطلق بالموقع الإعلامي الجديد عساه يأت بما لم تستطعه الأوائل، متخطياً فبركة الأخبار وحشو المقالات وعقود المستكتبين .
 
 
 
 
 
“شيلني وأشيلك”:
 
 
 
أحد المقاولين في موقع مشابه لما أقول كان حريصاً أن يحمل الكاميرا ليسجل ما يفبركه من ندوات ولقاءات يحشر لها العاملين في موقعه وكأنهم مشجعي كرة قدم، ويأتي بشخصيات دعوية وإعلامية – أغلبها مغمور- يدفع لبعضها أموالاً ويتمسكن على البعض، ويدبج العناوين ذات الطبل العالى والمحتوى الأجوف، يتخلل ذلك فاتورة غداء دعوي من أفخم الفنادق وأحرها تكلفة، وسلم لي على المقاومة..!
 
 
 
حتى إذا ما إنفض السامر رفع فاتورة المصروفات والأتعاب وخلافه إلى مقر سُرة الدنانير، ولا تقر عينه حتى يأتيه “نبأ” أن شيكاً مصرفياً قد عبر البحر الأحمر في طريقه إلى وسادته، بينما هو يمارس عادته الغريبة في الجلوس على كرسي الحمام يتخلص من أفكاره القديمة و يتصفح مجلات “رجل المستحيل”..!
 
 
 
ومقاول ثانِ لا يتورع في ان يكتب في ذات الموقع الذي يديره، تارة بأسمه وتارة باسم أبيه وأمه وجاره الذى يسكن فوق السطوح، وهو ينتهج مع الممول نهج “القرداتي” حينما تجمعهما الأبواب المغلقة، مشنفاً سمعه بغزوات إعلامية قادها بنفسه عبر موقعه الموقر عاد منها مكللاً بالنصر الفكرى والتمكين الإعلامي الغير مسبوق..!
 
 
 
وهذا النوع خطير حيث أنه لا ينظر لجدوى ما يكتبه بل إن كل همه الحصول على أجر هذه المقالات الممجوجة مجتمعة وأن يصبح “سيد” الموقف، والتى يأتي أغلبها عن طريق القص واللصق من هنا وهنالك، ناهيك عن مجاملات هؤلاء لأقرانهم في المواقع الأخرى التى تنتهج ذات الأسلوب، فهذا يكتب في موقع ذاك والأخير لا تفوته المجاملة بالمثل من باب ” شيلني وأشيلك”، وهكذا تتضح صورة هذه المواقع “الترحيلة” الأشبه ما تكون بالدكاكين والبقالات العشوائية.
 
 
 
إن هؤلاء المقاولين النفعيين ومن على شاكلتهم لا تعنيهم في شئ حقيقة أن “الإعلام هو نصف المعركة” المستعرة بين جنبات العالم، بل إن هدفهم منصب لجمع الأموال من ممولين خير ما ننصفهم به أنهم غاية في السذاجة، حيث أن النوايا الحسنة وحدها لا تقدم إنجازا ولا تقيم للعرب – والإسلاميين على وجه الخصوص- دوراً فاعلاً في مطحنة الإنترنت، وبعبارة أدق نستطيع القول أن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع إعلاماً.
 
 
 
المصيبة الأدهى من ذلك كله أن هذه المواقع المرتبطة بشخص الممول، مع عُجرها وبُجرها تنهار تلقائياً إذا ما حدث للمول مكروه، أو فقد الأخير شهيته في المضى قدماً على طريق إستنزاف دراهمه، عندها يجد عمال الترحيلة أنفسهم في مهب الريح دون ضمانات مالية تحفظ حقوقهم.
 
 
 
حيث أن غياب الشكل المؤسسي لهذه المواقع العشوائية يفتح باب النقاش حول حقوق وضمانات العاملين فيها وأسرهم، أما المقاول فلن يجد صعوبة في الحصول على ممول آخر، أو على الأقل لديه ما يكفيه طوال فترة الكمون مما إستنزفه من سُرر الدنانير، والمصارف حبلي بالأرصدة والغيب عن العيون مستور.
 
 
 
ضياع الإستثمار الإعلامي الجاد:
 
 
 
في الأخير يمكننا القول أن الإستثمار الإخباري والإعلامي -الغير حكومي- الفاعل على الإنترنت قليل العدد، نستطيع بالكاد ان نحصيها على أصابع اليدين وتتبقى لدينا أصابع، في حين أن الأموال تهدر والجهود تشتت في توالد المواقع العشوائية.
 
 
 
إن ظاهرة العبث هذه معناها إضاعة فرص إستخدام وسائل “الإعلام الجديدة” التي يمكن من خلالها الوصول في أي وقت وبأكثر من طريقة إلى مليار ونصف مليار مستخدم للإنترنت.
 
 
 
ونؤكد أن النوايا الحسنة ليست سلاحاً في معركة الأفكار، فالمواقع الإخبارية متعددة الجنسيات، والمواقع الاجتماعية التي تزخر بعشرات الملايين من الأعضاء في دول العالم كافة، هى ملك مؤسسات غربية وأمريكية عملاقة تسيطر عليها في السر والعلن.
 
 
 
ودليل ذلك أن مواقع البريد الإلكتروني الشهيرة والتى يقبل عليها متصفحي الإنترنت عادة وبينهم العرب مثل (هوت ميل- جي ميل- ياهوو ميل) تمتلكه شركات مايكروسوفت وغوغل و ياهوو، وكلها مؤسسات أمريكية تأخذ دورها – تماماً مثل المارينز- في حرب الأفكار التى لا تقل ضراوة عما يحدث في العراق وأفغانستان.
 
 
 
وليس سراً أن معظم هذه المواقع العالمية ترضخ لأوامر البيت الأبيض الأمريكي بذراعيه الكونجرس والبنتاجون، وتتلقى أوامر لها طابع استخباري وسياسي، فهل نتجه لبناء مؤسسات إعلامية فاعلة تجمع شتات أفكارنا وتلملم ما تبعثر من عقولنا على الإنترنت، أم نكتفي بدفن رؤسنا في الرمال وإشاعة المزيد من الفوضى عبر مواقع الترحيلة العشوائية.
 
أسامة عبد الرحيم
صحفي مصري
Osama Abdul-Rahim
Egyptian Journalist
0020105276035

زر الذهاب إلى الأعلى