أرشيف - غير مصنف

حزب الله وإسرائيل

د.مدين حمية

يُعّد قسم علم النفس العسكري من أهم الأقسام في “إسرائيل”، وهو يهتم بوضع خصائص الفكر الصهيوني وتهيئة الخطط العسكرية والحفاظ على نواة التحفيز القتالية لدى “المجتمع” العسكري الإسرائيلي ورفع مستوى أداء أفراد هذا “المجتمع” في الحروب. ولذلك فإن الهزيمة التي تلقتها “إسرائيل” في حرب تموز 2006، هي بمثابة دمار لها. وتعتبر دوائر القرار فيها أن الثأر للهزيمة يعطي دفعاً إيجابياً لـ “مجتمعها” الحربي المتشكل من الجيش والمستوطنين.
بعد هزيمة تموز 2006، ارتفعت أصوات في “إسرائيل” تدعو إلى إعادة تنشيط قسم علم النفس حتى يقوم بدوره لجهة تأمين تماسك “المجتمع الإسرائيلي” ووحدته في الحرب والسلم، وترسيخ الثقة بين الجيش والمكونات الأخرى، وحتى بين أفراد الجيش أنفسهم، وترسيخ روح الانضباط لديهم والانصياع للقيادة. فالتنظيم الهرمي للقوات المسلحة الإسرائيلية قائم على أساس الطاعة لأوامر القيادة،  وهذا ما لم يحصل أبان حرب تموز.
هناك سعي “إسرائيلي” جدي للخروج من دائرة الهزيمة، عبر تعزيز الثقة بالجيش والأجهزة وذلك للحؤول دون  انهيار الكيان برمته. وتعزيز الثقة بالجيش والأجهزة الإسرائيلية يحتاج حكماً إلى دخول “إسرائيل” في حرب جديدة تؤكد من خلالها قوتها، ومن أجل وقف التآكل الداخلي الذي بدأ ينهش بنية الكيان الصهيوني.
لقد حدث هرج ومرج في قيادة شعبة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي بعد فشل الخطط الموضوعة من قبل القيادة العليا في حرب تموز 2006، وتم إلقاء اللوم يومها على هيئة أركان الاستخبارات. ويرى المعنيون في “إسرائيل” أن معالجة هذا الأمر هو المدماك الأساسي للأمن القومي الإسرائيلي. فالخروج من الهزيمة لا يكفي بالمعالجة النفسية العسكرية ولا بوضع عقيدة قتالية جديدة ولا استدراكها بمناورات جديدة متواصلة والإشراف عليها من قبل قادة جدد، ولا يكفي استخلاص واقع جديد من الحروب السابقة، بل يجب تطبيقه بنصر مؤكد جديد.
إن من أهم أسباب المعضلة التي وقعت بها الهيئة العامة لأركان العدو هو كيفية نجاح هيئة أركان استخبارات حزب الله في تحديد نوعية وفاعلية السلاح الإسرائيلي، واستخدام أسلحة مضادة له تسقط فاعليته. وهذا يعني أن هيئة أركان استخبارات حزب الله على إطلاع بتفاصيل التفاصيل وعلى منظومة الأسلحة الصهيونية، والدليل على ذلك قدرة حزب الله على تجاوز الدفاعات الإلكترونية والصاروخية لــ “ساعر” وتدميرها. كما أن المعضلة التي تواجهها هيئة الأركان “الإسرائيلية” أنها في سباق مع حزب الله لجهة تطوير القدرات الإلكترونية والصاروخية، مما يدل على أن قيادة أسلحة الميدان للجيش الإسرائيلي في مأزق متفاعل. فالسمات الجوهرية للعمليات الهجومية الإسرائيلية هي:
1-  الاقتراب الغير المباشر
2-  تنفيذ المهام الهجومية دون الالتحام الجاد. إلا عند الضرورة القصوى
3-  القتال المحترف
4-  السرعة والضراوة في القتال
5-  إضعاف الطرف الآخر بالذراع الطويلة
وحزب الله تجاوز هذه الأمور بتفوق عبر إدراك ثغرات وفواصل الهجوم الإسرائيلي واستغلالها في استدراج قوات العدو إلى كمائن محكمة وخاطفة، مما سبب حالة ضياع وعدم ثقة بين القيادة العسكرية الإسرائيلية والميدان.
هنالك أمر آخر استغلته القوات الخاصة لحزب الله وهو الالتفاف بالكمائن الخلفية وقطع طرق الإمداد اللوجستي عن القوات الإسرائيلية مما أحدث حالة من التشتت لهذه القوات فأصبحت هدفاً سهلاً لمقاومي القوات الخاصة في حزب الله، ومعركة وادي “الحجير” اكبر دليل.
يسعى الجيش الإسرائيلي منذ عام 2006 عبر استخباراته وخاصة فوج “ساحاف” مخابرات الأرض، لإدراك الثغرات والمفاصل المهمة عند قوات حزب الله ودراستها دراسة دقيقة للتمكن من استغلالها في حسم سريع للمعركة دون التحام جدي، وفي حال عدم معرفته لهذه الثغرات، سيلجأ إلى القيام بعمليات إنزال متقدمة حول المدن الرئيسية التي يتواجد فيها ها حزب الله ومحاولة عزلها بحزام ناري جوي ومدفعي وصاروخي بعيد المدى ذو دقة عالية، مع تدفق لوجستي لقواته لإحكام الطوق، وهذا يسمى في العلم العسكري “تجزئة العدو ثم تدميره” بالتزامن مع اجتياح بري محدود، وإذ لم يكن من قرار تدمير نهائي لتجنب وقوع القوات الإسرائيلية بخسائر كبيرة، فسيحدث الحصار حتما واقع جديد على الأرض.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لا تتم عمليات الإنزال في الجبال المطلة على المدن؟
في 7 أيار من العام الفائت وبان الأحداث الداخلية في لبنان، ظهر جلياً أن قوات حزب الله تسيطر على تلك الجبال، ما يعني أن أي عملية إنزال ستعني التحاماً مباشراً وهذا الأمر تدرك قيادة أركان العدو مخاطره وتعمل على تجنبه.
هنالك سؤال آخر إذا كان هنالك قرار بتدمير كامل لقوات حزب الله فهل سيقوم الجيش الإسرائيلي بإلقاء غازات سامة أو منومة بواسطة طائراته وصواريخه؟.
لا شك إن لبنان خلال الحرب القادمة كله جبهة واحدة. وقيادة أركان حزب الله تدرك بأنه يمكن ربح الحرب أو خسارتها خارج ساحة المعركة وقبل الدخول بها، فهنالك أمور مهمة تتعلق بالإعداد للحرب منها:
1-ما هو السلاح الذي تحتاجه
2- كيفية تنظيم القطاعات المسلحة المستقلة وفصلها عن بعضها.
3- الإعداد الجيد لاستخدام الأسلحة وخاصة الإلكترونية
والنقطة الثالثة فائقة الأهمية لقيادة أركان حزب الله، فما رأيناه في حرب تموز 2006 يجعلنا ندرك من خلالها أن هذه القيادة تواكب التطور، فالتكتيك العلمي المتبع لديها يبحث دائماً عن فاعلية السلاح والتكنولوجيا لدى العدو، فالتجارب العسكرية السابقة أكسبت حزب الله ذكاء حربي متقدم مكّنها من تفادي المفاجآت، لا بل أن حزب الله تحكم بعنصر مفاجأة العدو. ففي حرب تموز 2006 سقط صاروخ متوسط المدى في بيروت جراء خطأ فني محض وليس كما أشيع بأن الطائرات الإسرائيلية دمرته، وقد تجاوزت هيئة أركان حزب الله  ذلك الخطأ والعديد من الأخطاء الأخرى بسرعة فائق.
ما تقدم، يؤكد بأن حزب الله في الحرب القادمة سيتبع عدة نقاط:
1-  إبطاء التقدم الإسرائيلي لكسب عامل الوقت
2-  إضعاف سيطرته على قطاعاته العسكرية المتقدمة عبر تجزئتها
3-  الانتشار الخفي مع النقيض المناسب
4-  الاقتحام والتدمير داخل الكيان
5-  المطاردة القاتلة
6-  الالتحام المباشر
7-  تنظيم الهجوم الإسرائيلي لصالحه في كيفية الهجوم والالتفاف عليه
8-  اختيار الأهداف الإستراتجية على قاعدة فصل الرأس عن الجسد
9-  عدم السماح لقوات العدو بإعادة تنظيم قواتها
10-          اعتبار إسرائيل جبهة واحدة وخصوصاً التسلل البحري والإغارة على أهداف مهمة داخل الكيان
11-          الهجوم بالمواجهة والعمل في مؤخرة العدو
12-         ضرب المطارات العسكرية والمدنية
13-         ضرب المرافئ البحرية كافة
14-          تحضير النقيض الدفاعي الذي استحدثته القوات الإسرائيلية لمدرعاتها وبوارجها لتجنب القوة الصاروخية لحزب الله. بكلام آخر هل سترى إسرائيل صواريخ حزب الله على شاشات راداراتها العسكرية
إن الفرق بين القيادتين هي أن القيادة الصهيونية تتعامل مع جنودها كأرقام على الخارطة، أما قيادة حزب الله فتتعامل معهم كأبناء يتألمون من اجل عزة الوطن وشعبه .
إن الحرب القادمة حرب ضروس لا هوادة فيها من كِلا الطرفين والخاسر هو الذي يصرخ أولاً
وأخيراً نعتقد إن توقيت الحرب سيتحدد خلال الزيارة المقبلة التي سيقوم بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الشرق الأوسط أو مؤتمر دولي جديد للسلام. تصفحوا تاريخ المؤتمرات الدولية للسلام وستدركون.
 
د.مدين حمية
 

زر الذهاب إلى الأعلى