بعد تصريح فخامة السيد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي عند لقاءه مع مجموعة تلفزيون فرنسا24 وراديو مونتي كارلو قبل أيام، بأنه أول من شكل لجنة المادة 140 المنتهية صلاحيتها وصرف عليها 600 مليون دولار، وينبغي أن تمشي تطبيق هذه المادة وفق السياقات التي وضعت فيها، وإن هذه المادة لا تنتهي إلى حلول لأنها مصاغة بشكل لا ينتهي إلى نتيجة واضحة، أصدر جلال الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردي أحد الحزبين الكرديين الرئيسين في شمال العراق تصريحا خطيرا يشير فيه إلى كردية مدينة كركوك الغنية بالبترول وعدم استعداده لاستبدال كركوك بأي شيء آخر. فليس ببعيد عن الطالباني أن يتراجع عن كلامه ويغير أقواله السابقة بهذا الخصوص ويدعي بمثل هذه الادعاءات الشوفينية الباطلة التي لا تهم إلا فئة واحدة من فئات الشعب التي ينتمي إليها الرئيس الكردي. كلنا يتذكر لقاءاته بالمسئولين الأتراك وأقواله بأن كركوك مدينة عراقية يجب أن يتقاسم جميع مكوناتها إدارتها. فلماذا التغيير والتراجع المفاجئ عن الكلام هكذا؟ أ يليق مثل هذا التصرفات الهوجاء برئيس جمهورية يدعي بأنه يؤمن بالديمقراطية وناضل من أجلها؟
فهذا هو الطالباني الذي نصب رئيسا على العراق وقائدا يقود شعبه نحو غد مشرق وأفضل من أمس العراق المظلم الذي كان يقوده الزعماء السابقون. فهو ذلك العشائري الذي قضى سنواته في الجبال والوديان مع فصائل ميليشياته المسلحة تارة يضعون الكمائن ليوقعوا أفراد الجيش العراقي في فخهم ويقتلونهم جزاءا لحمايتهم لهم ومدنهم وقراهم من الأعداء، وتارة يقاتلون مع فصائل ميليشيات الحزب الديمقراطي الكردي بزعامة مسعود البارزاني بسب بسط نفوذ كل منهم على الرقعة الأكبر من شمال العراق والسيطرة على البوابات الحدودية الشمالية بيننا وتركيا وإيران. فجلال الطالباني لا يمكن أن يكون رئيسا للعراق أبدا ما دام هو منحاز لفئة واحدة من فئات الشعب العراقي. فمن الأولى على أعضاء البرلمان العراقي وضع مادة خاصة بخصوص انتخاب رئيس الجمهورية العراقية الذي سيتولى رئاسة البلاد بعد انتهاء الفترة الرئاسية للطالباني، والإشارة فيها إلى كل من هذه النقاط:
أولا : أن ينتخب الرئيس العراقي من قبل الشعب العراقي كله ولا من قبل البرلمان أو يعين من قبل الجهات الخارجية المعادية للعراق.
ثانيا : أن يكون الشخص المنتخب لتولي العراقيين غير منحاز إلى أية فئة من فئات الشعب العراقي.
ثالثا : أن يكون له تاريخ مشرف قي الدفاع عن العراق كله ولم يقاتل ضد الجيش العراقي أبدا.
رابعا : أن يقسم أمام الشعب والعالم بأن يعمل من أجل العراق كله ولا من أجل جزء من أجزاء العراق.
خامسا: أن يتخلى عن نشاطاته السياسية ويقدم استقالته من زعامته الحزبية وأن يتفرغ لرئاسة البلاد.
سادسا: أن لا يفرق بين العراقيين على أسس عرقية وطائفية.
سابعا : أن يثبت على أقوله ولا يرجع عن كلامه ووعوده باستمرار.
فجلال الطالباني حاله حال خصمه في السابق مسعود البارزاني شخص متذبذب ومتقلب المزاج وتصريحاته متناقضة دائما، ولا يمكن الوثوق به فيوما تراه يفكر بعقلية عراقية ويصرح بما يهم العراقيين جميعا ويوما آخر يفكر بعقلية شوفينية ويصرح بما يشتهيه نفسه ولا يهم إلا فئة معينة من فئات العراق. فتحيزه الأخير إلى قوميته بإشارته إلى كردية كركوك زادت من شدة التوتر بين الأطراف التي تؤلف مجلس محافظة كركوك أكثر مما عليه. لأن مثل هذه التصريحات الشوفينية في هذا الزمن المشحون الذي عجز فيه الكل من إيجاد الحلول التي ترضي كل الأطياف لن تجر أهالي المدينة الذهبية إلا إلى المزيد من إراقة الدماء فيما بينهم وقتل الأبرياء من المواطنين. فمسألة كركوك التي فشلت حلها بموجب المادتين 140 و 23 لا يمكن حلها إلا بالحلول التوافقية بين مفردات كركوك وجعلها إقليما خاصا يرتبط بحكومة المركز ويشترك في إدارتها جميع مكونات المدينة. فلو يبقى كل واحد ينفخ في أسطوانته المشروخة القديمة كجلال الطالباني لا يزيد مشكلة كركوك غير التعقيد الذي لن يفيد أحد. وآخر الكلام ما هي تصريحات السيد جلال الطالباني المتذبذبة في هذا الزمان بالذات والعراق تحت الاحتلال وحكومته ضعيفة غير قادرة على رده، إلا بمثابة الصعود والهبوط التي تشهده أسعار الأسهم والعملات الأجنبية في الأسواق العالمية، فحتما عندما ينتهي الاحتلال ويعود الأمريكان إلى أوطانهم وتكون الحكومة العراقية أقوى مما عليه، سيكون للطالباني قول آخر، وإن غدا لناظره قريب.